السفسطائيون هم أول من قالوا بأن الحس هو مصدر جميع المعارف، وهذا بالطبع يتناسب مع تشكيكهم في كل شيء، بما في ذلك البديهيات. ثم خفت نجم السفسطائية بفضل جهود سقراط وأفلاطون وأرسطو، إلى أن عادت مرة أخرى مع الفلسفة الحديثة، والقول بنسبية الحقائق وعدم موضوعيتها، بل والتشكيك في وجود العالم الخارجي نفسه أو في قدرتنا على التعرف عليه بشكل صحيح. وقد انعكس ذلك على فلسفة العلوم من عدة وجوه، أبرزها ما يُعرف باللاواقعية (أو معاداة الواقعية - anti-realism)، وهي فرع ينتسب صراحة إلى السفسطائية اليونانية القديمة، لكن بصورة معدلة لتخدم الأفكار نفسها.
وغالباً ما يتم الترويج لهذه الفلسفات البائسة من خلال بعض عجائب ميكانيكا الكم، أو بعض تفسيراتها الكثيرة، أو النزعات المثالية عند بعض مؤسسيها مثل نيلز بور، ليخرج علينا متحمسوها فيما بعد بنتائج خرقاء يهدمون بها العلم والحقيقة الموضوعية، ويشككون في أي معرفة بوجود ميتافيزيقي، ويزعمون أنه لا يمكن الكشف عن حقائق هذا العالم، وأن النظريات العلمية مجرد أدوات تقنية تساعدنا براغماتياً على تلبية احتياجاتنا، لكنها لا توفر أي وصف حقيقي للعالم، وأن الملاحظات يمكن إعادة تفسيرها ووصفها نظرياً ورياضياً باستخدام نظريات أخرى ونماذج رياضية أخرى.
ثم تصدى لهذه الأفكار فيزيائيون كبار مثل ديفيد دويتش، وكذلك فلاسفة مثل هيلاري بوتنام، لكن السفسطة دائماً لها جاذبيتها، حتى عند بعض المسلمين للأسف، ظناً منهم أنهم سيقلبون سلاح الخصم عليه، وما هم بفاعلين إلا إذا تلبسوا بالتناقضات. وقد سبقهم إلى ذلك بعض فلاسفة النصارى مثل ميشيل دي مونتين، الذي اشتهر باستخدام الفلسفة التشككية لمحاربة الإلحاد. ومثل هذه السبل لا يسلكها صاحب حق، وإنما يتبعها أهل الأهواء؛ فإذا تملك الشك المطلق قلب المخاطب وغادر اليقين إلى غير رجعة، أمكن حينها رفع أي علم والترويج لأي دعوة باطلة، لأن الأمور كلها تصبح سواء.
وقد يظن بعضنا أن فلسفة العلم بالنسبة للعلوم هي بمثابة أصول الفقه بالنسبة للفقه، وهذا خطأ شنيع؛ لأن أصول الفقه قواعد كلية يُشتق منها ويتفرع عنها الأحكام الفقهية، في حين أن دور فلاسفة العلوم ينحصر في التأريخ وليس في التأسيس للعلوم. فهم لا يضعون القواعد الكلية التي ينتج عنها بعد ذلك العلوم كفرع مشتق، وتفاصيل تحتكم في صحتها إلى تلك القواعد الكلية. بل حتى لو وُجدت عقائد فلسفية مسبقة، فهي خلفية غير مؤثرة، لا تلعب دور المرجح أو الموجه لمسار تطوير النماذج وصياغة التجارب. فموافقة النظرية الذرية الحديثة لأفكار ديموقريطس مثلاً لا تعطي أي قيمة علمية لأفكاره، ولا تجعلها أساساً فلسفياً حاكماً للنظرية الذرية اليوم، وإنما هو تشابه اعتباطي تماماً، كأن يوافق تاريخ عيد ميلادك تاريخ يوم استقلال سنغافورة مثلاً.
ولذلك يقول بول ديراك عن فلسفة العلم:
«لن تؤدي الفلسفة أبدًا إلى اكتشافات مهمة. إنها مجرد طريقة للحديث عن الاكتشافات التي تم تحقيقها بالفعل.»
وقريب من هذا كلام فيزيائيين كبار مثل فاينمان وآينشتاين وغيرهم.
أزمة عدم التحديد
ومن مرتكزات اللاواقعية والشكوكية التجريبية أيضاً اعتمادهم على أزمة تكافؤ الأدلة الحسية، أو عدم التحديد العلمي لدوهيم وكواين، وتعميم فكرة أن الأدلة الحسية التجريبية لا يمكنها أبداً أن تحسم الجدل بين الفروض النظرية المختلفة. وهذا وإن كان حاصلاً في بعض النظريات، فلا شك أن تعميمه على كافة النظريات العلمية مبالغة غير مقبولة. وحتى دوهيم وكواين لم يذهبا إلى تلك المبالغات، وإنما قالا إن النظريات العلمية لا ينبغي الحكم على كل منها بمعزل عن باقي النظريات المشتبكة معها، لأن هذا الترابط هو الضمانة التي ترجح صحة حكمنا إن عجزت الأدلة التجريبية المباشرة عن الترجيح. لكن بالطبع ليست كل حالات عدم التحديد على الدرجة نفسها، بل هناك تقريباً ثمان درجات متفاوتة لعدم التحديد.
ومن الأمثلة التي يعول عليها كثيرون في أزمة عدم التحديد: مثال عدم وجود تجربة أو مشاهدة يمكنها الترجيح بين نسبية لورنتز التي تعتمد على وجود الأثير، ونسبية آينشتاين التي تنفي وجوده. وهذا في الحقيقة مثال سقيم جداً؛ لأنه من الطبيعي أن تكون هناك صعوبة في الفصل بين نظريتين لهما التنبؤات نفسها، لأن إحداهما مبنية على الأخرى في الأساس. فقد بنى آينشتاين النسبية على تحويلات لورنتز، وهذا الأخير جعل الأثير لا يتحرك كتعديل مؤقت (ad hoc) لينقذ نظريته بعد النتائج السلبية التي جاءت بها تجربة ميشيلسون ومورلي. وأثير لا يتحرك ولا يتكون من مادة هو في الحقيقة مثل نسيج الزمكان الذي قدمته النسبية العامة، حتى إن لورنتز نفسه ظن أن آينشتاين قد عاد إلى القول بوجود أثير، فبيّن له آينشتاين أنه يمكن اعتباره أثيراً لكن بمفهوم جديد. فالأمر ليس بهذا التفاوت الذي يحاول البعض تصديره، ليبني عليه نتائج خزعبيلة مفادها أن الأدلة التجريبية متكافئة ولا يمكنها الترجيح بين النظريات العلمية المختلفة.
ومن يظن أن النظرية العلمية مجرد تخمين غيبي لتفسير الظاهرة المشاهدة، ولا يمكن التأكد من صحته أبداً أو تفضيله على أي تخمين غيبي آخر من خلال المشاهدات، تماماً مثل النظريات الفلسفية القديمة، وأن الفرق الوحيد يكمن في أن النظرية العلمية عبرت عن الظاهرة تعبيراً لغوياً برموز رياضية لمجرد ذر الرماد في عيون العوام والظهور بمظهر علمي دون أن تقدم هذه النماذج الرياضية أي إضافة حقيقية للتفسير المفترض، فهذا الظن يذهب بصاحبه إلى اعتقاد خرافي يناطح به الواقع، وكأن التقدم العلمي في القرون الأخيرة كان مجرد ضربة حظ أو "معجزة جرت على يد العلماء" دون أي تغير جذري في المنهج المعرفي الذي اتبعته البشرية منذ آلاف السنين.
في الحقيقة، النماذج الرياضية لها وظيفة مختلفة تماماً عما يتصوره هؤلاء؛ فهي ليست وصفاً بطلاسم ورموز معقدة لمعنى كان مفهوماً وواضحاً عندنا ابتداءً، وإنما هي أداة لتوصيف الظاهرة واختبار الفرضيات من خلال نتائج الديناميكا الرياضية أو الحاسوبية. والفروض يجب أن تكون قابلة للاختبار من خلال التنبؤات، ولو كانت فروضاً غيبية تماماً كما يزعمون لما صح وصفها بأنها نظرية علمية.
فعندما أفترض وجود علاقة سببية بين شيئين، أقوم ببناء نموذج رياضي أو حاسوبي لاختبار هذه العلاقة، ومن خلال تغيير البارامترات تتغير النتائج، ثم نحلل هذه النتائج لنرصد مؤشراً على وجود العلاقة أو غيابها. وكذلك التنبؤات المشاهدة تؤكد أو تنفي الفروض، ولو كانت الفروض محصنة تماماً من قابلية الاختبار هذه فلن تكون النظرية علمية.
وهناك من فلاسفة النسبوية والتفكيكية وما بعد الحداثة من يبالغ ويذهب إلى تعميم أزمة عدم التحديد لتصير شكوكية تشمل معرفتنا البشرية كلها، وليس فقط النظريات العلمية، وهؤلاء كلامهم مردود بلا شك.
السرد التاريخي
ومن مرتكزات اللاواقعية أيضاً استخدام آلية السرد التاريخي للخروج بنتيجة مفادها أن العلم التجريبي لا يخبرنا بشيء عن الحقيقة ولا يمكن الوثوق فيه، لأن نظريات الأمس أصبحت باطلة اليوم رغم احتفاء العلماء بها في الماضي. وهذا باطل لا يقبله عاقل، وهو تماماً كاستدلال الملحد بتعدد الأديان وإخلاص أتباع كل ديانة لدينهم على أنه لا يوجد أي دين صحيح من بين كل الأديان.
كما أن النظريات التي تم استبدالها بنظريات أخرى ما زالت تحمل جوانب من الصحة. فمثلاً، مشاهدة انحناء شعاع الضوء عندما يمر بالقرب من الشمس أو النجوم (فيما يُعرف بعدسة الجاذبية) تؤكد أن تأثير الكتلة يكون على نسيج الزمكان نفسه، وليس على كتلة الجسم الآخر، لأن الضوء ليس له كتلة لتتأثر بجاذبية كتلة النجم. فهذا الأمر تفسره ميكانيكا آينشتاين ولا يمكن تأويله ضمن ميكانيكا نيوتن؛ لأنه عند نيوتن يكون التأثر لكتلة على كتلة أخرى، فإذا كان الضوء بلا كتلة فلا يمكن أن يتأثر بالجاذبية، وبالتالي لا يمكن أن ينحرف مساره إذا مر بالقرب من نجم أو جرم له كتلة كبيرة.
ومع ذلك، فميكانيكا نيوتن ما زالت صحيحة على نحو تقريبي في الجانب الذي لا يظهر الخلل فيه، ويمكن اشتقاق معادلات آينشتاين منها، لكن معالجة آينشتاين هي فقط الصحيحة عند الاقتراب من الكتل الكبيرة أو التحرك بسرعات كبيرة أو وصف تأثير الجاذبية على شيء عديم الكتلة، لأن الاختلاف في النتائج هنا يعود إلى اختلاف فروض النظريتين.
الحس المباشر
ومن مرتكزات اللاواقعية كذلك تكرار دعوى أنها لا ترد جميع نتائج العلم التجريبي، وإنما تقبل منه فقط الدليل الحسي المباشر، وترفض الميتافيزيقا والتأويلات والتفسيرات والتعميمات والمشاهدات غير المباشرة، كالموجات الكهرومغناطيسية التي تأتينا من النجوم والمجرات البعيدة وتحولها التلسكوبات إلى صور مرئية، كما ترفض الاعتقاد بوجود كيانات غير مرصودة مباشرة مثل الإلكترونات أو البروتونات أو الدنا (DNA).
وهذا ليس جهلاً وسفسطة فقط، بل هو تناقض أيضاً؛ إذ يلزمهم إنكار الحس المباشر كما أنكروا الحس غير المباشر، لأن ما نبصره ما هو إلا تحويل للضوء في عيوننا إلى موجات كهرومغناطيسية مشفرة يترجمها الدماغ إلى صورة مرئية، وما تقوم به الأذن نفس الشيء في الموجات الصوتية، وكذلك الأنف واللسان والجلد؛ فسائر الحواس قائمة على الشيء نفسه: استقبال مؤثر متغير، ثم تشفير هذا التأثر، ثم فك التشفير في الدماغ.
فإن أنكرت الحس غير المباشر من أجل تخلله عمليات وسيطة واحتمالات للتأويل، فيلزمك إنكار الحس المباشر أيضاً للعلة نفسها.
فالحس المباشر خرافة للأسف، وإنما يكون الحس دائماً غير مباشر شئت أم أبيت.
وصورة الفراشة التي تشاهدها بعينك (التي تعتبرها حساً مباشراً)، والتي تفحصها تحت المجهر الإلكتروني (الذي يعمل بالإلكترونات وليس بأشعة الضوء المرئي)، وصورة مجرة الفراشة التي تبعد 60 مليون سنة ضوئية ولا يصلنا منها أشعة مرئية لكن فقط أشعة سينية أو تحت حمراء يتم تأويلها في تلسكوبات خاصة لصورة مرئية... جميع هذه المصادر الثلاثة (العين والمجهر والتلسكوب) صورها مأولة، ولا واحدة منها حس مباشر في الحقيقة، لأنها كلها تم تشفيرها وإعادة فك شفرتها دون أي فرق جوهري يُذكر. فلو قبلت بصدق إحداها فعليك قبولها جميعاً، ولو رفضت إحداها فعليك رفضها جميعاً، وإلا تناقضت.
وهذا كله يبين مدى وهن وسخافة وتناقض هذه الأطروحة اللاواقعية.
تعليقات
إرسال تعليق