لماذا لا يوجد أخلاق في الإلحاد؟

المرجعية الأخلاقية يجب أن تكون موضوعية؛ لأنها لو كانت ذاتية فلا يصح اعتبارها مرجعية أصلًا.

فعندما نقول للملحد المادي إنّه يلزم من مذهبه أن الخير لم يكن خيرًا قبل أن تخلقك الطبيعة، لأن وجوده هو المرجع، وهذه مرجعية ذاتية لا تصلح، يفهم بعض الناس من هذا أننا ننفي التحسين والتقبيح العقليين. وكأننا نقول للملحد: إن الخير لم يكن خيرًا قبل أن يأمرنا الله به، فإذا لم يكن هناك خالق فلن يأمرنا بشيء، وبالتالي لن يصبح الخير خيرًا.

وهذا سوء فهم من أسخف ما يكون، إذ ينصّب القائل به نفسه حكمًا بين طرفين من غير أن يفهم حقيقة قول أيٍّ منهما.

فالملحد الذي اختزل الوجود في الطبيعة المادية يلزمه ألا يعترف إلا بما يمكن اختزاله في مكوّنات مادية. وبما أن الصواب والخطأ والخير والشر لا يمكن العثور على تركيب ذري لها، فهي إذن أشياء وهمية، مثل أي تصور خاطئ عن الطبيعة وقع فيه البشر عبر تاريخهم الثقافي. ويرجع وجود هذه الأوهام الأخلاقية إلى مرجعيات ذاتية، وبالتالي لا تصلح أن تكون مرجعية، خصوصًا في ظل عدم وجود قانون طبيعي يضمن تحول مآلات الأفعال السيئة إلى خسارة على فاعلها، ومآلات الأفعال الطيبة إلى مكاسب لفاعلها. بل على العكس، توجد قوانين طبيعية ترفع مكاسب الاستغلال والأنانية، ثم يتساوى الجميع في فناء بارد أبدي تتلاشى معه كل المبررات والغايات.

ولذلك يلزم هؤلاء أن الخير لم يكن خيرًا قبل أن تخلقهم الطبيعة ولا بعد أن تهلكهم؛. كما لا يمكنهم أيضا جعل الخير قيمة مخترعة – مثل قوانين المرور – لأن المخترَع نسبي وذاتي لا محالة، وهذا يفقده أهليته ابتداءً لأن يكون مرجعية أخلاقية موضوعية.

أما من يثبت التحسين والتقبيح العقليين وفي الوقت نفسه ينكر وجود مرجعية أخلاقية للإلحاد المادي، فهو يقول إن معاني الخير والشر موجودة أزلاً في علم الله. وهذا ليس تعدد قدماء؛ لأن المعاني ليست كيانات قائمة بنفسها، وإنما هي معانٍ اعتبارية مجردة. وهي بذلك تمثل مرجعية موضوعية صحيحة للأخلاق، لأن الفرق بين الكمال والنقص، والخير والشر، صحيح على الدوام، ولأن الكمال المطلق متحقق أزلاً وأبدًا بوجود الله عز وجل، ولأن وجود الله يمثل الضمانة لوجود أثر باقٍ يصدق على الفرق بين فعل الخير والشر.

قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾.

فمن الصواب عقلًا ومنطقًا اتباع الخير والأخلاق، لأن هناك جزاءً أبديًا مطلقًا يتناسب مع طبيعة الأخلاق المطلقة، يتحقق يوم القيامة حين توضع الموازين بالقسط. وبدون الإيمان بالله واليوم الآخر، لن يكون هناك مبرر منطقي موضوعي لأن تكون ذا خُلق، أو أن ترحم اليتيم وتطعم المسكين.

قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾.

بل سيكون الأنسب لك حينها النفعية والأنانية وجني أكبر قدر ممكن من المكاسب الشخصية.

الخلاصة:

نحن لا نحاجج الملحد المادي فنقول: إن الخير لم يكن خيرًا قبل أن يأمرنا الله به، فإذا لم يكن هناك خالق فلن يأمرنا بشيء، وبالتالي لن يصبح الخير خيرًا.

وإنما نحاججه فنقول: إن الخير كان خيرًا قبل أن يأمرنا الله به، لكن إذا لم يكن هناك خالق فلن يكون هناك تحقق مطلق للكمال، ولا ضمانة أبدية للجزاء، وبالتالي لن يصبح الخير خيرًا.

فضلا عن أن كثير من الملاحدة واللاأدرية يشككون في البديهيات لعدم تمكنهم من انتزاع أي شيء مطلق من الطبيعة المادية, مما يفقدهم المعيار المنطقي الموضوعي للحكم على الأفعال الأخلاقية. 

تعليقات